أحداث وقعت في رمضان

بواسطة admin يوم القسم : 0 التعليقات

بما أننا الآن في شهر رمضان المبارك وهو شهر الفتوحات والأحداث الجسام في تاريخنا العظيم.. رأيت أن أكتب بعض الحلقات التي تتعلق بأهم الأحداث التي وقعت في هذا الشهر الكريم دون الدخول في تفاصيل أو جزئيات الحدث.. لكن مع الإشارة إلى المصادر والمراجع التي يمكن أن يرجع إليها للاستفادة والتوسع في معرفة الموضوع..
والآن إلى الأحداث.. وسأتبع في ذكرها التسلسل الزمني.. * رفع عيسى عليه السلام إلى السماء. أخرج الحاكم رحمه الله في المستدرك (3 / 143) من حديث حريث بن مخشي وذكر أن الحسن بن علي رضي الله عنه خطب وذكر مناقب أبيه بعد مقتله، فقال: (قتل ليلة أنزل القرآن، وليلة أسري بعيسى عليه السلام). ومعنى أسري أي رفع إلى السماء. صححه الحاكم وسكت عنه الذهبي.
* نزول الوحي والقرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم.. وبدء الدعوة الإسلامية.. وكان ذلك في يوم الاثنين الحادي والعشرين من شهر رمضان.. وجاء التصريح به في الآية الكريمة {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة :185]..
وفي حديث عند مسلم برقم (1162) فيه التصريح بيوم الاثنين.. وانظر سيرة ابن هشام (1/ 304) حيث قال ابن إسحاق إنه في رمضان واستشهد بآيات قرآنية غير هذه، ومسند أحمد (5/ 297، 299) والسنن الكبرى للبيهقي (4 / 293) واختلف العلماء في تحديد تاريخ ذلك اليوم، ورجح المباركفوري في الرحيق المختوم ،(حاشية ص 75-76) أنه اليوم الحادي والعشرون وهو ما لم يقل به غيره حسب علمي..
* هلاك أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك سنة عشر من المبعث بعد الخروج من الشعب بزمن يسير.. انظر: أنساب الأشراف للبلاذري (1/406).
* وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وذلك أيضاً في السنة العاشرة من المبعث وقبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهو المشهور.. انظر: حاشية الدكتور قلعجي على دلائل النبوة للبيهقي (2/353) حيث ذكر معظم الأقوال في هذا الأمر..
* أما عن الأحداث التي وقعت في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة، فهي إرسال سرية حمزة بن عبد المطلب وهي سرية سيف البحر. انظر: طبقات ابن سعد (2/6) وسيرة ابن هشام (2/281).
* وفي شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة وبالتحديد في يوم (17) كانت غزوة بدر الكبرى. انظر في ذلك كتب السيرة ولن أذكر هنا كتاباً بعينه.
* مصرع أبي جهل (عمرو بن هشام) وأمية بن خلف والعاص بن هشام بن المغيرة – خال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه - في هذا الشهر في غزوة بدر وغيّبوا في القليب.. فلم تنفعهم اللات والعزى، وقيل بعداً للقوم الظالمين.
* وفي الشهر نفسه من السنة الثانية ماتت رقية بنت الرسول الله صلى الله عليه وسلم زوج عثمان بن عفان رضي الله عنه. انظر: طبقات ابن سعد (8/36) والاستيعاب (4/292) والسير للذهبي (2/177).
* وفي نفس الشهر من نفس السنة وبالتحديد في يوم (25) وبعد عودته صلى الله عليه وسلم من بدر مباشرة، كانت سرية قتل عصماء بنت مروان التي كانت ممن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وتعيب الإسلام وتحرض على النبي صلى الله عليه وسلم وقالت في ذلك شعراً. سيرة ابن هشام (4/377 – 379) وابن سعد في الطبقات (2/27).
* وفي شهر رمضان من السنة الثالثة للهجرة وبالتحديد ليلة النصف منه ولدت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ابنها الحسن رضي الله عنهما. تاريخ خليفة (ص 66) وتاريخ بغداد (1/140).
* وفي نفس الشهر من نفس السنة تزوج النبي صلى الله علية وسلم بزينب بنت خزيمة بنت الحارث، أم المساكين.. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/115).
* وفي السنة الخامسة من الهجرة نزلت براءة الطاهرة المطهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها من حديث الإفك الذي اتهمت فيه بعد منصرفهم من غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع، حيث كانت هذه الغزوة في شعبان، وفي قصة الإفك من حديث عائشة رضي الله عنها: (فاشتكيت حين قدمت شهراً والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك.. الخ) فالشاهد من هذا أن حديث الإفك امتد إلى رمضان يقيناً. انظر: البداية والنهاية (3/91 – 92). والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (ص 436 – 440).
* وهناك خلاف في تاريخ سرية عبد الله بن عتيك لقتل سلام بن أبي الحقيق.. حيث يذكر بعض المؤرخين أنها كانت في رمضان من السنة السادسة. انظر: السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة (ص 174 – 175).
* وفي رمضان من السنة السادسة للهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى بني فزارة. انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/351).
* إرسال سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة، وهي الغزوة التي قَتَلَ فيها أسامة بن زيد رضي الله عنه رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله. انظر: البخاري مع الفتح برقم (6872) ومسلم برقم (158، 159) والبداية والنهاية (4/248) وطبقات ابن سعد (2/199).
* ومن الأحداث أيضاً ما وقع في أول شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وهي إرسال سرية أبي قتادة إلى بطن إضم. أنظر تفاصيل هذه السرية في: سيرة ابن هشام (4/363 – 364) وابن سعد في الطبقات (2/133).
* ومن الأحداث التي وقعت في السنة الثامنة للهجرة، فتح مكة.. وكان خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة في عاشر رمضان ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه. انظر تفاصيل الفتح في كتب السير..
* وأيضاً إرسال سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه لهدم العزى في نفس السنة لخمس ليال بقين من شهر رمضان. انظر: طبقات ابن سعد (2/145). والسرايا والبعوث (ص 279- 282).
* وسرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة وذلك لست بقين من رمضان. انظر: طبقات ابن سعد (2/146- 147) و السرايا والبعوث (ص 285 – 289).
* وسرية عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى سواع، صنم هذيل فهدمها. انظر: طبقات ابن سعد (2/ 146).
* عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وكان ذلك في السنة التاسعة من الهجرة، حيث كان خروجه صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في رجب، واستغرقت هذه الغزوة خمسين يوماً أقام منها عشرين يوماً في تبوك، والبواقي قضاها في الطريق جيئة وذهاباً. انظر الرحيق المختوم (ص 401).
* قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام التاسع معلنين إسلامهم، انظر: البداية والنهاية (3/91-92). وسيرة ابن هشام (4/249).
* قدوم رسول ملوك حمير بكتابهم وكان ذلك في رمضان من السنة التاسعة للهجرة. انظر البداية والنهاية (5/86) و سيرة ابن هشام (4/311- 313).
* قدوم جرير بن عبد الله البجلي على النبي صلى الله عليه وسلم وإسلامه في رمضان من السنة العاشرة. انظر: الإصابة (2/220) وتاريخ المدينة لابن شبة (2/311- 313).
إلى هنا نكون قد أتينا على أهم الأحداث التي وقعت في شهر رمضان المبارك خلال فترة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته.. وقد صام عليه السلام تسع رمضانات، لأن صيام رمضان فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول في سنة إحدى عشرة من الهجرة.
وستكون الحلقات القادمة بإذن الله تعالى متعلقة بأهم الأحداث التي وقعت في شهر رمضان خلال فترة الخلافة الراشدة.
إقرأ البقية

أبواب الخير في رمضان

بواسطة admin يوم القسم : 0 التعليقات

قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}... (البقرة : 182)، لقد أصبحنا بين عشية وضحاها بين يدي شهر عظيم، يفتح الله فيه أبواب الخير، وتتضاعف فيه الحسنات والرحمات، تُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبوابُ النيران، وحري بنا أن نغتنمه؛ لأنه يمضي كلمح البصر، كما قال الله تعالى عنه: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ}؛ لذا ينبغي أن نغتنم هذه الأيام المعدودات بتلمس أبواب الخير فيه، ومن ذلك:
1. الدعاء عند رؤية الهلال؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رؤيته: "اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله".
2. تعجيل الفطر؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" رواه البخاري.
3. الدعاء عند الإفطار؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى" رواه أبو داود والدارقطني والحاكم.
4. حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب: "إن الله ليرضى عن عبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها" رواه مسلم.
5. المحافظة على صلاة التراويح؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" رواه مسلم.
6. قيام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه البخاري ومسلم.
7. الحرص على السحور؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسحروا فإن في السحور بركة" رواه البخاري ومسلم.
8. الذهاب إلى المساجد؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح" رواه البخاري ومسلم.
9. إفطار الصائم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا" رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وحث من تعرفهم على المساهمة في إفطار صائم.
10. الدعاء مطلقًا؛ لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني" رواه البخاري ومسلم.
11. الدعاء للمسلم بظهر الغيب؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل" رواه مسلم.
12. استشعار الذنب والشعور بخطورة المعصية، وتصور عدم القدرة على تحمل عقوبة الإثم الذي تقوم به؛ لأن ذلك يحملك على المسارعة إلى الإقلاع عن المعصية وتجديد التوبة إلى الله مما فعلت حتى يحول سيئاتك حسنات؛ لقوله تعالى: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}... (الفرقان : 70).
13. الاستغفار؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أبو داود والنسائي.
14. الدعاء والاستغفار للمسلمين؛ لقوله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} الحشر.
15. الحرص على ذكر الله؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله تعالى".
16. الدعاء بين الأذان والإقامة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد" رواه البخاري.
17. أداء العمرة في رمضان إن تيسر لك ذلك؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العمرة في رمضان تعدل حجة، أو حجة معي" رواه البخاري ومسلم.
18. الإكثار من قراءة القرآن وتلاوته وتدبره؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" رواه مسلم.
19. المحافظة على الصلاة المكتوبة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت له كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله" رواه مسلم. وقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة لوقتها" رواه البخاري ومسلم.
20. المحافظة على صلاة الفجر والعصر؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى البردين دخل الجنة" رواه البخاري.
21. الحرص على الصف الأول؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" رواه البخاري ومسلم.
22. المداومة على صلاة الضحى؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك كله ركعتان يركعهما في الضحى" رواه مسلم.
23. المحافظة على السنن الراتبة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا من غير الفريضة، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة" رواه مسلم.
24. صلاة التطوع في البيت؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا" رواه البخاري.
25. كثرة السجود؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" رواه مسلم.
26. الذكر بعد صلاة الصبح حتى الشروق؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة" رواه الترمذي وحسنه.
27. المحافظة على صلاة الجمعة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهم إذا اجتنبت الكبائر" رواه مسلم.
28. تحري ساعة الإجابة يوم الجمعة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه" [رواه البخاري ومسلم].
29. قراءة سورة الكهف؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له النور ما بين الجمعتين" رواه النسائي والحاكم.
30. الإكثار من الصدقة: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار" رواه الترمذي.
31. أفضل الصدقة صدقة المُقل: "يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول" رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم.
32. الحرص على صدقة السر: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر" رواه الطبراني.
33. بر الوالدين وطاعتهما؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة" رواه مسلم.
34. الدعاء للوالدين؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنى لي هذا؟‍‍‍ فيقول: باستغفار ولدك لك" رواه أحمد.
35. البر بالخالة والخال؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخالة بمنزلة الأم" رواه البخاري.
36. طيب الكلام؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة" رواه البخاري ومسلم.
37. قضاء حوائج الناس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يمشي أحدكم في قضاء حاجة -وأشار بإصبعه- أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين" رواه الحاكم.
38. زيارة المرضى؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة. قيل يا رسول الله: وما خرفة الجنة؟ قال جناها" رواه مسلم.
39. صلة الأرحام؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" رواه البخاري ومسلم.
40. إدخال السرور على المسلم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لقي أخاه المسلم بما يحب يسره بذلك سرّه الله عز وجل يوم القيامة" رواه الطبراني.
41. التيسير على المعسر؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة" رواه مسلم.
42. الشفقة على الضعفاء ورحمتهم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" رواه أبو داود والترمذي.
43. الإصلاح بين الناس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين" رواه أبو داود والترمذي.
44. الحلم والصفح وكظم الغيظ؛ لقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}... (آل عمران: 134)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج بن قيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله تعالى: الحلم والأناة" رواه مسلم.
45. المصافحة بحب وسلامة نفس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا" رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن.
46. طلاقة الوجه؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تبسمك في وجه أخيك صدقة".
47. غض البصر عن محارم الله تعالى؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها مخافتي أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه" رواه الطبراني.
48. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم.
49. الجلوس مع الصالحين والأخيار؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده" رواه مسلم.
50. حفظ اللسان والفرج؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يضمن ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" رواه البخاري ومسلم.
51. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا" رواه مسلم.
52. الدعوة إلى الله وإلى الخير: "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" رواه مسلم.
53. إغاثة الناس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" رواه مسلم.
54. عدم إيذاء المسلمين: "سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام أفضل؟ فقال: من سلم المسلمون من لسانه ويده" رواه البخاري ومسلم.
55. مساعدة أهل الخير وإعانتهم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل سلامى عليه صدقة كل يوم، يعين الرجل في دابته يحمله عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة" رواه البخاري.
56. قضاء حوائج الناس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء" رواه البخاري.
57. المداومة على العمل الصالح وإن قل؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" رواه مسلم.
58. الإحسان إلى الجار؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره" رواه مسلم.
59. رد المظالم والتحلل من أصحاب الحقوق؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته ، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه" رواه البخاري.
60. اتباع السيئة الحسنة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع الحسنة السيئة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" رواه أحمد والحاكم.
61. أداء الأمانة والوفاء بالعهد؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" رواه أحمد.
62. رحمة الصغير وإكرام الكبير؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا" رواه أحمد والترمذي.
63. التعاطف والتراحم مع الناس والاهتمام بأمورهم قدر استطاعتك؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه البخاري ومسلم.
64. الصمت وحفظ اللسان إلا من خير؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" رواه البخاري.
65. الدفاع عن أعراض الناس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" رواه الترمذي.
66. سلامة الصدر وترك الشحناء؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء. فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا" رواه مسلم.
67. العدل بين الناس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الناس صدقة" رواه البخاري.
68. إجابة الداعي إلى الخير وإعطاء السائل؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه" رواه أحمد والنسائي وأبو داود.
69. شكر المعروف ومكافأة فاعله؛ لأن هذا من أدب المسلم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فليجزه، فإن لم يجد ما يجزيه فليثن عليه، فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره" رواه البخاري في الأدب المفرد.
70. الاجتهاد في العشر الأواخر: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد مئزره" رواه البخاري ومسلم.
71. قيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه البخاري ومسلم.
72. الاعتكاف: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان" رواه البخاري.
73. أداء زكاة الفطر في وقتها: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".
74. وأخيرًا.. حقق صيام الدهر بصيام ست من شوال؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال كان كصوم الدهر" رواه البخاري ومسلم.
إقرأ البقية

الطريق إلى رمضان

بواسطة admin يوم القسم : 0 التعليقات

                      
  إن المتأمل في كون الله الخالق يجد أن كل شيء يتم عن تنظيم وتدريج مسبق ومتقن من بديع السماوات والأرض حتى بدا كل شيء لا يتم فجأة دون تدريج أو مقدمات، فالمطر يسبقه سحاب، والعاصفة تسبقها الرياح، كما أن الليل لا يدخل فجأة على عالم البشر، أما النهار فبرغم حب الناس له فإنه لم ولن يأتي فجأة حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. 
وإن يوم القيامة برغم أنه يوم حسم لا مثيل له فإن الله وضع له علامات كبرى تسبقها علامات صغرى. فقط لا يأتي شيء فجأة سوى الموت وحده دون دافع أو منازع ولله في كل ذلك شئون. وإن المتأمل في شرع الله تعالى يجد نفس التدريج في كل شيء حتى في العبادات والفروض والأركان؛ فالصلاة يسبقها الأذان، والصلاة تسبقها سنن ورواتب مع أن كليهما صلاة!! 

والزكاة يرافقها صدقة التطوع بكل أنواعها، وحج الفريضة يقابله العمرة، وصوم الفريضة وأعني به رمضان يسبقه ألوان وألوان من أنواع صوم التطوع كصوم الإثنين والخميس وصوم يوم عرفة ويوم عاشوراء وصوم يوم 13، 14، 15 من كل شهر قمري، إضافة لصيام ستة أيام من شوال وبعض ألوان التطوع التي تقدمها النفس إلى خالقها رغبة ورهبة. 

إن من فضل الله عز وجل أن جعل لنا طريقًا إلى رمضان عبر بوابة رجب وشعبان؛ فلا يمكن الدخول إلى رمضان إلا عبرها، ومن الصعب أن تحقق كل شيء في رمضان دون الاستعداد له؛ لأن من أراد السفر فلا بد أن يأذن بالرحيل وإلا ظل مكانه دون سفر أو رحيل. وإن المتأمل في أحوال كثير من الناس يجد نوعًا من التعامل الغريب مع رمضان؛ فبرغم أن الأغلب الأعم من الناس يتمنى رمضان كضيف عظيم يسعد به لدرجة يبكي فيها عند مفارقته فإن ثمة تناقضًا في الاستعداد لهذا الضيف! فبرغم أن كل الناس ترى رمضان وهو يقترب رويدًا رويدًا بدءاً من رجب ومرورًا بشعبان فإن الواقع العملي يؤكد أن أكثرنا يجد نفسه أمام رمضان وكأنه ظهر فجأة دون أن يظهر له شيء من الاستعداد. 
أما عندما تتفقد فهم الرسول صلى الله عليه وسلم لطبيعة المرحلة التي قبل رمضان؛ فمن المؤكد أن الوضع سيختلف مع رجل في مثل تفكيره ومنطقه، وهذا تميز يضاف إلى شخصه صلى الله عليه وسلم في كون أعماله دائمًا تتلمس فيها حسن التخطيط والتدبير، إضافة لنوع من التوازن الرائع بين متطلبات الروح والجسد دون أدنى إفراط أو تفريط. 

عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان" رواه البخاري، 

وفي رواية لمسلم: "كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا"، وقد رجح طائفة من العلماء منهم ابن المبارك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شعبان، وإنما كان يصوم أكثره. 

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، فقال: "ذاك شهر يغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم". 

ويشير ذكاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى كون شعبان بين شهرين عظيمين - الشهر الحرام وشهر الصيام - وأن الناس قد اشتغلت بهما عنه، فصار مغفولا عنه!! وهذا ما يتميز به الأذكياء عادة أن يفكروا كما يفكر الناس، لكن لا يغفلون ولا ينسون عندما ينسى الناس. وفي كلامه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه. وفي كلامه أيضًا دليل على استحباب عِمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة ويقولون هي ساعة غفلة، ومثل هذا استحباب ذكر الله تعالى في السوق؛ لأنه ذكْر في موطن الغفلة بين أهل الغفلة، فلماذا رأى الرسول صلى الله عليه وسلم إحياء الوقت المغفول عنه في شعبان بالطاعة؟؟  

1-  حتى يكون أخفى للعمل؛ لأن إخفاء النوافل وإسرارها أفضل، لا سيما الصيام فإنه سرّ بين العبد وربه؛ ولهذا قيل إنه ليس فيه رياء، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إذا أصبحتم صيامًا فأصبِحوا مدْهنين".  

2-  لأن العمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس، ومن أسباب أفضلية الأعمال مشقتها على النفوس؛ لأن العمل إذا كثر المشاركون فيه سهُل، وإذا كثرت الغفلات شق ذلك على المتيقظين لقوله صلى الله عليه وسلم: "العبادة في الهرْج كالهجرة إلي".

سر صيام النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان: رأى بعض العلماء في سر كثرة صيامه -صلى الله عليه وسلم- في شعبان بعض الحكم والأسباب، منها: 

1 - أنه كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل بنافلة أثبتها وإذا فاتته قضاها. 

2 - وقيل إن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان فكان يصوم لذلك. وكان إذا دخل شعبان وعليه بقية من صيام تطوع لم يصمه قضاه في شعبان حتى يستكمل نوافله بالصوم قبل دخول رمضان -كما كان إذا فاته سنن الصلاة أو قيام الليل قضاه- فكانت عائشة حينئذ تغتنم قضاءه لنوافله فتقضي ما عليها من فرض رمضان حينئذ لفطرها فيه بالحيض، وكانت في غيره من الشهور مشتغلة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

3 - وقيل "لأنه شهر يغفل الناس عنه"، وهذا هو الأرجح لحديث أسامة السالف الذكر والذي فيه: "ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان" رواه النسائي.

4 - لأن صيام شعبان كالتمرين على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرّن على الصيام واعتاده فيدخل رمضان بقوة ونشاط. ولما كان شعبان كالمقدّمة لرمضان فإنه يكون فيه شيء مما يكون في رمضان من الصيام وقراءة القرآن والصدقة، كما قال سلمة بن سهيل: كان يقال: شهر شعبان شهر القراء، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء، وكان عمرو بن قيس المُلائي إذا دخل شعبان أغلق تجارته وتفرغ لقراءة القرآن، وكان يقول: طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان!! يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله: صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم.

وأفضل التطوع ما كان قريبًا من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه
إقرأ البقية

العمل في رمضان

بواسطة admin يوم القسم : 0 التعليقات


ليس المقصود بعنوان هذا المقال (العمل في رمضان) الحديث عن الطاعات والقربات المشروعة في رمضان - كما يتبادر إلى الذهن لأول وهلة - وإنما نرمي من مقالنا هذا الحديث عن العمل اليومي - المهني - خلال شهر رمضان، وبيان موقف الناس منه.
فقد يرى بعض الناس - بل هناك من ذهب حقيقة - إلى أن صيام رمضان يسبب تعطيل الأعمال والمصالح الدنيوية العامة، وأنه يخفض نسبة الإنتاج الوطني، بل إن بعض من لا أخلاق له دعا العمال إلى الإفطار في رمضان، بحجة الحفاظ على مستوى الإنتاج.
والسؤال الذي يقدمه مقالنا هذا، ونود الإجابة عنه هو: هل الصيام حقاً يتعارض مع مصلحة الإنتاج والنهوض الاقتصادي الوطني؟ أو أن الأمر غير ذلك.
ونسارع إلى القول بداية فنقول: إن كان هناك ضعف في مستوى الإنتاج - حقيقة -خلال شهر رمضان، فليس مرد ذلك إلى الصيام، بل إن مرد ذلك - في واقع الأمر - يعود إلى العادات والممارسات الخاطئة التي يمارسها كثير من الناس خلال هذا الشهر الكريم، إذاً فليست المشكلة في الصيام، وإنما في سلوك بعض الصائمين، هذا أولاً.
ثم من ناحية أخرى نقول: إن في الصوم - عند التحقيق - فائدة أي فائدة في تنمية ورفع مستوى الإنتاج، دليلنا على هذا، أن الصوم مثلاً يلغي وجبة غذائية - على الأقل - تقع في وقت العمل، وهذا يوفر وقتاً يمكن الإفادة منه لصالح الإنتاج، فضلاً عما يوفره من حجم الاستهلاك. ومما يؤسف له هنا، أننا نرى كثيراً من العمال - في غير رمضان - يضيعون من الأوقات في تناول طعامهم وشرابهم ما لا يخفي على أحد، فكيف يمكن القول - حينئذ - إن الصوم يخُفض نسبة الإنتاج، إن هذا لشيء عجاب.
ونقول أيضاً: إن من فوائد الصوم الاقتصادية أنه يمنع المدخنين من التدخين، ومعلوم لكل منصف أن ممارسة التدخين أثناء العمل وفي غيره، فيه من ضياع الوقت ما فيه، فضلاً عما يسببه من ضعف جسدي ونفسي للمدخنين، أو ما يسببه من إتلاف صحي واقتصادي وبيئي، فالصوم في الواقع يجنبنا كل هذه الأمور التي تعود بالنتائج السلبية على الفرد والمجتمع في آنٍ معاً.
ثم إن علينا أن ننظر إلى هذه المسألة من منظار المصالح والمفاسد والموازنة بينها، وانطلاقاً من هذا نقول: إذا كان الصوم في رمضان يسبب - جدلاً - انخفاضاً في مستوى الإنتاج، فإننا - بالمقابل - يجب علينا أن ننظر إلى الآثار الإيجابية التي يحققها الصوم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، وعند النظر الفاحص والموازنة العادلة في هذه المسألة نرى أن نتائج الصوم الإيجابية أكبر وأعظم من نتائجه السلبية - هذا على فرض أن يكون للصوم نتائج سلبية - وسواء في ذلك النتائج المادية المعنوية أم النتائج العاجلة أو الآجلة.
ومقالنا هذا لا يسمح بتفصيل القول في تلك النتائج، إلا أننا نكتفي بذكر نتيجة واحدة يلمسها كل واحد منا، وهي أن الصوم - إذا تم على حقيقته - فإنه يدفع صاحبه إلى الإخلاص والإتقان في العمل، والتخلي عن تضيع الأوقات، وكل هذا في صالح الإنتاج دون ريب.
ومن طريف ما يذكر في هذا السياق، أن أحد رجال الأعمال الأسبان كان يفتخر بعماله المغاربة، الذين كانوا يصومون ويصلون، وكان يشجعهم على الصيام، ويعتني بنفسه بتهيئة فطورهم وسحورهم، لما كان يجده فيهم من الجدية والأمانة، ما لا يجده عند غيرهم.
وعلاوة على ما تقدم، نقول أيضاً: إن أمور الآخرة مقدمة على أمور الدنيا، كما هو مقرر في أصول الشريعة، قال تعالى: {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ}.. (القصص : 60) وقال أيضاً: {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.. (الشورى : 36) وعلى هذا، إذا قلنا - جدلاً - إن الصوم يؤدي إلى خفض مستوى الإنتاج، فإن مما ينبغي على المسلم - على فرض صحة ذلك - أن يقدم أمر الدين على أمر الدنيا، هذا إذا كان ثمة تعارض بين فريضة الصوم، ومستوى الإنتاج، فكيف إذا كانت الحقيقة خلاف ذلك، قال تعالى: {وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.. (الحجرات : 14) أي لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً.
ثم أليس في صيام هذا الشهر الكريم، ما يُنمِّي الإحساس بالفقراء ومعاناتهم، ما يدفع الصائم الحق إلى التكافل معهم، والأخذ بيدهم للرفع من مستواهم الاقتصادي، وهذا بدوره يؤدي إلى قيام نوع من التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين أفراد المجتمع.
ففي كل ما ذكرنا وغيره، دليل على أن الصوم في رمضان ليس فيه ما يؤثر سلباً على مستوى الإنتاج، بل العكس هو الصحيح، لأنه ليس من الوارد - عقلاً ولا شرعاً - أن يكون فيما شرع الله مفسدة للإنسان، بل الخير كل الخير فيما شرعه الله سبحانه، فهو الخالق لعباده، وهو أعلم بما يصلحهم {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.. (الملك : 14)، والله ولي التوفيق.
إقرأ البقية

أحداث وقعت في رمضان

بواسطة admin يوم القسم : 0 التعليقات

بما أننا الآن في شهر رمضان المبارك وهو شهر الفتوحات والأحداث الجسام في تاريخنا العظيم.. رأيت أن أكتب بعض الحلقات التي تتعلق بأهم الأحداث التي وقعت في هذا الشهر الكريم دون الدخول في تفاصيل أو جزئيات الحدث.. لكن مع الإشارة إلى المصادر والمراجع التي يمكن أن يرجع إليها للاستفادة والتوسع في معرفة الموضوع..
والآن إلى الأحداث.. وسأتبع في ذكرها التسلسل الزمني.. * رفع عيسى عليه السلام إلى السماء. أخرج الحاكم رحمه الله في المستدرك (3 / 143) من حديث حريث بن مخشي وذكر أن الحسن بن علي رضي الله عنه خطب وذكر مناقب أبيه بعد مقتله، فقال: (قتل ليلة أنزل القرآن، وليلة أسري بعيسى عليه السلام). ومعنى أسري أي رفع إلى السماء. صححه الحاكم وسكت عنه الذهبي.
* نزول الوحي والقرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم.. وبدء الدعوة الإسلامية.. وكان ذلك في يوم الاثنين الحادي والعشرين من شهر رمضان.. وجاء التصريح به في الآية الكريمة {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة :185]..
وفي حديث عند مسلم برقم (1162) فيه التصريح بيوم الاثنين.. وانظر سيرة ابن هشام (1/ 304) حيث قال ابن إسحاق إنه في رمضان واستشهد بآيات قرآنية غير هذه، ومسند أحمد (5/ 297، 299) والسنن الكبرى للبيهقي (4 / 293) واختلف العلماء في تحديد تاريخ ذلك اليوم، ورجح المباركفوري في الرحيق المختوم ،(حاشية ص 75-76) أنه اليوم الحادي والعشرون وهو ما لم يقل به غيره حسب علمي..
* هلاك أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك سنة عشر من المبعث بعد الخروج من الشعب بزمن يسير.. انظر: أنساب الأشراف للبلاذري (1/406).
* وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وذلك أيضاً في السنة العاشرة من المبعث وقبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهو المشهور.. انظر: حاشية الدكتور قلعجي على دلائل النبوة للبيهقي (2/353) حيث ذكر معظم الأقوال في هذا الأمر..
* أما عن الأحداث التي وقعت في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة، فهي إرسال سرية حمزة بن عبد المطلب وهي سرية سيف البحر. انظر: طبقات ابن سعد (2/6) وسيرة ابن هشام (2/281).
* وفي شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة وبالتحديد في يوم (17) كانت غزوة بدر الكبرى. انظر في ذلك كتب السيرة ولن أذكر هنا كتاباً بعينه.
* مصرع أبي جهل (عمرو بن هشام) وأمية بن خلف والعاص بن هشام بن المغيرة – خال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه - في هذا الشهر في غزوة بدر وغيّبوا في القليب.. فلم تنفعهم اللات والعزى، وقيل بعداً للقوم الظالمين.
* وفي الشهر نفسه من السنة الثانية ماتت رقية بنت الرسول الله صلى الله عليه وسلم زوج عثمان بن عفان رضي الله عنه. انظر: طبقات ابن سعد (8/36) والاستيعاب (4/292) والسير للذهبي (2/177).
* وفي نفس الشهر من نفس السنة وبالتحديد في يوم (25) وبعد عودته صلى الله عليه وسلم من بدر مباشرة، كانت سرية قتل عصماء بنت مروان التي كانت ممن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وتعيب الإسلام وتحرض على النبي صلى الله عليه وسلم وقالت في ذلك شعراً. سيرة ابن هشام (4/377 – 379) وابن سعد في الطبقات (2/27).
* وفي شهر رمضان من السنة الثالثة للهجرة وبالتحديد ليلة النصف منه ولدت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ابنها الحسن رضي الله عنهما. تاريخ خليفة (ص 66) وتاريخ بغداد (1/140).
* وفي نفس الشهر من نفس السنة تزوج النبي صلى الله علية وسلم بزينب بنت خزيمة بنت الحارث، أم المساكين.. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/115).
* وفي السنة الخامسة من الهجرة نزلت براءة الطاهرة المطهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها من حديث الإفك الذي اتهمت فيه بعد منصرفهم من غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع، حيث كانت هذه الغزوة في شعبان، وفي قصة الإفك من حديث عائشة رضي الله عنها: (فاشتكيت حين قدمت شهراً والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك.. الخ) فالشاهد من هذا أن حديث الإفك امتد إلى رمضان يقيناً. انظر: البداية والنهاية (3/91 – 92). والسيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (ص 436 – 440).
* وهناك خلاف في تاريخ سرية عبد الله بن عتيك لقتل سلام بن أبي الحقيق.. حيث يذكر بعض المؤرخين أنها كانت في رمضان من السنة السادسة. انظر: السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة (ص 174 – 175).
* وفي رمضان من السنة السادسة للهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى بني فزارة. انظر: السيرة النبوية لابن هشام (4/351).
* إرسال سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة، وهي الغزوة التي قَتَلَ فيها أسامة بن زيد رضي الله عنه رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله. انظر: البخاري مع الفتح برقم (6872) ومسلم برقم (158، 159) والبداية والنهاية (4/248) وطبقات ابن سعد (2/199).
* ومن الأحداث أيضاً ما وقع في أول شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وهي إرسال سرية أبي قتادة إلى بطن إضم. أنظر تفاصيل هذه السرية في: سيرة ابن هشام (4/363 – 364) وابن سعد في الطبقات (2/133).
* ومن الأحداث التي وقعت في السنة الثامنة للهجرة، فتح مكة.. وكان خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة في عاشر رمضان ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه. انظر تفاصيل الفتح في كتب السير..
* وأيضاً إرسال سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه لهدم العزى في نفس السنة لخمس ليال بقين من شهر رمضان. انظر: طبقات ابن سعد (2/145). والسرايا والبعوث (ص 279- 282).
* وسرية سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة وذلك لست بقين من رمضان. انظر: طبقات ابن سعد (2/146- 147) و السرايا والبعوث (ص 285 – 289).
* وسرية عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى سواع، صنم هذيل فهدمها. انظر: طبقات ابن سعد (2/ 146).
* عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وكان ذلك في السنة التاسعة من الهجرة، حيث كان خروجه صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في رجب، واستغرقت هذه الغزوة خمسين يوماً أقام منها عشرين يوماً في تبوك، والبواقي قضاها في الطريق جيئة وذهاباً. انظر الرحيق المختوم (ص 401).
* قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام التاسع معلنين إسلامهم، انظر: البداية والنهاية (3/91-92). وسيرة ابن هشام (4/249).
* قدوم رسول ملوك حمير بكتابهم وكان ذلك في رمضان من السنة التاسعة للهجرة. انظر البداية والنهاية (5/86) و سيرة ابن هشام (4/311- 313).
* قدوم جرير بن عبد الله البجلي على النبي صلى الله عليه وسلم وإسلامه في رمضان من السنة العاشرة. انظر: الإصابة (2/220) وتاريخ المدينة لابن شبة (2/311- 313).
إلى هنا نكون قد أتينا على أهم الأحداث التي وقعت في شهر رمضان المبارك خلال فترة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته.. وقد صام عليه السلام تسع رمضانات، لأن صيام رمضان فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول في سنة إحدى عشرة من الهجرة.
وستكون الحلقات القادمة بإذن الله تعالى متعلقة بأهم الأحداث التي وقعت في شهر رمضان خلال فترة الخلافة الراشدة.
إقرأ البقية

الاعتكاف: فضله وآدابه وأحكامه

بواسطة admin يوم القسم : 0 التعليقات

الاعتكاف: هو لزوم المسجد بنية مخصوصة، لطاعة الله تعالى: وهو مشروع مستحب باتفاق أهل العلم، قال الإمام أحمد فيما رواه عنه أبو داود: (لا أعلم عن أحد من العلماء إلا أنه مسنون).
وقال الزهري رحمه الله: (عجبا للمسلمين! تركوا الاعتكاف، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم، ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل). 
فائدة الاعتكاف وثمرته 
إن في العبادات من الأسرار والحكم الشيء الكثير، ذلك أن المدار في الأعمال على القلب، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) رواه البخاري ومسلم.
وأكثر ما يفسد القلب الملهيات، والشواغل التي تصرفه عن الإقبال على الله عز وجل من شهوات المطاعم، والمشارب، والمناكح، وفضول الكلام، وفضول النوم، وفضول الصحبة، وغير ذلك من الصوارف التي تفرق أمر القلب، وتفسد جمعيته على طاعة الله، فشرع الله تعالى قربات تحمي القلب من غائلة تلك الصوارف، كالصيام مثلا، الصيام الذي يمنع الإنسان من الطعام والشراب، والجماع في النهار، فينعكس ذلك الامتناع عن فضول هذه الملذات على القلب، فيقوى في سيره إلى الله، وينعتق من أغلال الشهوات التي تصرف المرء عن الآخرة إلى الدنيا. 
وكما أن الصيام درع للقلب يقيه مغبة الصوارف الشهوانية، من فضول الطعام والشراب والنكاح، كذلك الاعتكاف، ينطوي على سر عظيم، وهو حماية العبد من آثار فضول الصحبة، فإن الصحبة قد تزيد على حد الاعتدال، فيصير شأنها شأن التخمة بالمطعومات لدى الإنسان، كما قال الشاعر: 
عدوك من صديقك مستفاد *** فلا تستكثرن من الصحاب 
فإن الـداء أكثـر ما تراه *** يكون من الطعام أو الشراب 
وفي الاعتكاف أيضا حماية القلب من جرائر فضول الكلام، لأن المرء غالبا يعتكف وحده، فيُقبل على الله تعالى بالقيام وقراءة القرآن والذكر والدعاء ونحو ذلك. 
وفيه كذلك حماية من كثرة النوم، فإن العبد إنما اعتكف في المسجد ليتفرغ للتقرب إلى الله، بأنواع من العبادات، ولم يلزم المسجد لينام. 
ولا ريب أن نجاح العبد في التخلص من فضول الصحبة، والكلام والنوم يسهم في دفع القلب نحو الإقبال على الله تعالى وحمايته من ضد ذلك. 
الجمع بين الصوم والاعتكاف 
لا ريب أن اجتماع أسباب تربية القلب بالإعراض عن الصوارف عن الطاعة، أدْعى للإقبال على الله تعالى والتوجه إليه بانقطاع وإخبات، ولذلك استحب السلف الجمع بين الصيام والاعتكاف، حتى قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطرا قط، بل قالت عائشة: (لا اعتكاف إلا بصوم) أخرجه أبو داود .
ولم يذكر الله سبحانه وتعالى الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم. 
فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف: (أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية)... زاد المعاد. 
واشتراط الصوم في الاعتكاف نقل عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة، واختلف النقل في ذلك عن أحمد والشافعي. 
وأما قول الإمام ابن القيم رحمه الله: (ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطرا قط ففيه بعض النظر، فقد نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم، اعتكف في شوال) رواه البخاري ومسلم. ولم يثبت أنه كان صائما في هذه الأيام التي اعتكافها، ولا أنه كان مفطرا. فالأصح أن الصوم مستحب للمعتكف، وليس شرطا لصحته. 
مع النبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه 
اعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأول من رمضان ثم العشر الأواسط، يلتمس ليلة القدر، ثم تبين له أنها في العشر الأواخر فداوم على اعتكافها. 
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجاور في العشر التي وسط الشهر، فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة، ويستقبل إحدى وعشرين، يرجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، ثم إنه أقام في شهر، جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم بما شاء الله، ثم قال: (إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين). 
قال أبو سعيد: مطرنا ليلة إحدى وعشرين، فوكف المسجد في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت إليه، وقد انصرف من صلاة الصبح، ووجهه مبتل ماء وطينا فتحقق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وهذا من علامات نبوته. 
ثم حافظ صلى الله عليه وسلم، على الاعتكاف في العشر الأواخر، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده. رواه البخاري ومسلم 
وفي العام الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يوما رواه البخاري. أي العشر الأواسط والعشر الأواخر جميعا، وذلك لعدة أسباب: 
1 - أن جبريل عارضه القرآن في تلك السنة مرتين رواه البخاري. فناسب أن يعتكف عشرين يوما، حتى يتمكن من معارضة القرآن كله مرتين. 
2 - أنه صلى الله عليه وسلم أراد مضاعفة العمل الصالح، والاستزادة من الطاعات، لإحساسه صلى الله عليه وسلم بدنو أجله كما فهم من قول الله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا}... سورة النصر. 
فإن الله عز وجل أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإكثار من التسبيح والاستغفار في آخر عمره، وهكذا فعل صلى الله عليه وسلم، فقد كان يكثر في ركوعه وسجوده من قول: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن. رواه البخاري ومسلم.
3 - أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليه من الأعمال الصالحة من الجهاد والتعليم والصيام والقيام وما آتاه من الفضل من إنزال القرآن عليه ورفع ذكره وغير ذلك مما امتن الله تعالى به عليه. 
وكان صلى الله عليه وسلم يدخل معتكفه قبل غروب الشمس فإذا أراد مثلا أن يعتكف العشر الأواسط دخل المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي عشر، وإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي والعشرين. 
أما ما ثبت في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ثم دخل معتكفه رواه البخاري ومسلم. فإنما المقصود أنه دخل المكان الخاص في المسجد بعد صلاة الفجر، فقد كان يعتكف في مكان مخصص لذلك، كما ورد في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية. رواه مسلم وكان صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه وهو معتكف في المسجد إلى عائشة رضي الله عنها وهي في حجرتها، فتغسله وترجله، وهي حائض، كما جاء في الصحيحين. البخاري ومسلم 
وفي مسند أحمد أنه كان يتكئ على باب غرفتها، ثم يُخْرج رأسه، فترجله. رواه أحمد، وفي ذلك دليل على أن إخراج المعتكف بعض جسده من المعتكف لا بأس به، كأن يخرج رجله أو رأسه. كما أن الحائض لو أدخلت يدها أو رجها مثلا في المسجد فلا بأس، لأن هذا لا يُعد دخولا في المسجد. 
ومن فوائد هذا الحديث أيضا أن المعتكف لا حرج عليه أن يتنظف، ويتطيب، ويغسل رأسه، ويسرحه، فكل هذا لا يخل بالاعتكاف. 
ومما وقع له صلى الله عليه وسلم في اعتكافه ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر نظر فإذا الأخبية، فقال: (آلبر تُردْن؟) فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال رواه البخاري ومسلم. ومعنى قوله: (آلبر تردْن؟) أي: هل الدافع لهذا العمل هو إرادة البر، أو الغيرة والحرص على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ 
والأظهر والله أعلم أن اعتكافه صلى الله عليه وسلم في شوال من تلك السنة بدأ بعد العيد، أي في الثاني من شوال. 
ومما وقع له صلى الله عليه وسلم في اعتكافه ما رواه الشيخان أيضا أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد، في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي)، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! وكبُرَ عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم) وفي لفظ: (يجري من الإنسان مجرى الدم)، (وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا) وفي لفظ: (شرا). 
فمن شدة حرصه صلى الله عليه وسلم، على صدق إيمان هذين الأنصارييْن، وخشية أن يلقى الشيطان في قلوبهما شيئا، فيشكا في الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك كفرا، أو يشتغلا بدفع هذه الوسوسة، بين صلى الله عليه وسلم الأمر، وقطع الشك، ودفع الوسواس، فأخبرهما أنها صفية رضي الله عنها وهي زوجته. 
هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف  1 - كان إذا أراد أن يعتكف وُضع له سريره وفراشه في مسجده صلى الله عليه وسلم، وبالتحديد وراء أسطوانة التوبة كما جاء في الحديث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه كان إذا اعتكف طرح له فراشه، أو يوضع له سريره وراء أسطوانة التوبة) رواه ابن ماجه. 
2 - وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب له خباء مثل هيئة الخيمة، فيمكث فيه غير أوقات الصلاة حتى تتم الخلوة له بصورة واقعية، وكان ذلك في المسجد، ومن المتوقع أن يضرب ذلك الخباء على فراشه أو سريره، وذلك كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء، فيصلي الصبح، ثم يدخله).. الحديث رواه البخاري 
3 - وكان دائم المكث في المسجد لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، من بول أو غائط، وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها حين قالت: (.. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا) رواه البخاري 
4 - وكان صلى الله عليه وسلم يؤتي إليه بطعامه وشرابه إلى معتكفه كما أراد ذلك سالم بقوله: (أما طعامه وشرابه فكان يؤتى به إليه في معتكفه). 
5 - وكان صلى الله عليه وسلم يحافظ على نظافته، إذْ كان يخرج رأسه إلى حجرة عائشة رضي الله عنها لكي ترجل له شعر رأسه، ففي الحديث عن عروة عنها رضي الله عنها (أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها، يناولها رأسه) رواه البخاري 
قال ابن حجر: (وفي الحديث جواز التنظيف والتطيب والغسل والحلق والتزين إلحاقا بالترجل، والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد)... فتح الباري 
6 - وكان صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، وذلك من أجل التركيز والانقطاع الكلي لمناجاة الله عز وجل، ففي الحديث عن عائشة أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يُعرج يسأل عنه). 
وأيضا عن عروة أنها قالت: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) رواه أبو داود. 
7 - وكان أزواجه صلى الله عليه وسلم يزرْنه في معتكفه، وحدث أنه خرج ليوصل إحداهن إلى منزلها، وكان ذلك لحاجة إذ كان الوقت ليلا، وذلك كما جاء في الحديث عن علي بن الحسين: (أن صفية رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، فلما رجعت مشى معها، فأبصره رجل من الأنصار، فلما أبصر دعاه، فقال: تعال، هي صفية) وربما قال سفيان: (هذه صفية، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) قلت لسفيان: (أتته ليلا ؟ قال: وهل هو إلا ليلا) رواه البخاري. 
فرأى صلى الله عليه وسلم أن خروجه معها رضي الله عنها أمر لا بد منه في ذلك الليل، فخرج معها من معتكفه، ليوصلها إلى بيتها. 
وخلاصة القول: أن هديه صلى الله عليه وسلم في اعتكاف كان يتسم بالاجتهاد، فقد كان جل وقته مكث في المسجد، وإقبال على طاعة الله عز وجل، وترقب لليلة القدر. 
مقاصـــــد الاعتكاف 
- تحري ليلة القدر. 
- الخلوة بالله عز وجل، والانقطاع عن الناس ما أمكن حتى يتم أنسه بالله عز وجل وذكره. 
- إصلاح القلب، ولم شعثه بإقبال على الله تبارك وتعالى بكليته. 
- الانقطاع التام إلى العبادة الصرفة من صلاة ودعاء وذكر وقراءة قرآن. 
- حفظ الصيام من كل ما يؤثر عليه من حظوظ النفس والشهوات. 
- التقلل من المباح من الأمور الدنيوية، والزهد في كثير منها مع القدرة على التعامل معها. 
أقسام الاعتكاف 
- واجب: ولا يكون إلا بنذر، فمن نذر أن يعتكف وجب عليه الاعتكاف، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) وفي الحديث أن ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: (أوف بنذرك) رواه البخاري. 
- مندوب: وهو ما كان من دأب النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان، ومحافظة على هذا الأمر وهو سنة مؤكدة من حياته صلى الله عليه وسلم كما ورد ذلك في الأحاديث التي أشير غليها عند الحديث عن مشروعية الاعتكاف. 
حكم الاعتكاف 
سنة مؤكدة داوم عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقضى بعض ما فاته منها، ويقول في ذلك (عزام): والمسنون ما تطوع به المسلم تقربا إلى الله، وطلبا لثوابه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أنه فعله وداوم عليه. 
شروط الاعتكاف    يشترط للاعتكاف شروط هي:  - الإسلام: إذ لا يصح من كافر، وكذلك المرتد عن دينه. 
- التمييز: إذ لا يصح من صبي غير مميز. 
- الطهارة من الحدث الأكبر (من جنابة، وحيض، ونفاس) وإن طرأت مثل هذه الأمور على المعتكف أثناء اعتكافه وجب عليه الخروج من المسجد، لأنه لا يجوز له المكث على حالته هذه في المسجد. 
- أن يكون في مسجد: قال الله تعالى: {ولا تُباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} والأفضل أن يكون الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجمعة، حتى لا يضطر إلى الخروج من مسجده لأجل صلاة الجمعة. 
- وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم. 
والصواب أن الاعتكاف جائز في كل مسجد تصلى فيه الفروض الخمسة، قال الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}... سورة البقرة 187، فدل عموم قوله تعالى: {في المساجد} على أنه جائز في كل مسجد. ويستحب أن يكون في مسجد جامع، حتى لا يحتاج المعتكف إلى الخروج للجمعة. 
أركان الاعتكاف  1 - النية: لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) البخاري 1/15. 
2 - المكث في المسجد: كما في قوله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود}... سورة البقرة /125 وفي هذا تأكيد على أن مكان الاعتكاف هو المسجد، ودل على ذلك أيضا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده أزواجه وصحابته رضوان الله عليهم، ففي الحديث عن يونس بن زيد أن نافعا حدثه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، قال نافع: وقد أراني عبد الله رضي الله عنه المكان الذي يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد أخرجه مسلم. 
مكانه وزمانه وبداية وقته 
مكان الاعتكاف المسجد كما دلت عليه الآية في قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} البقرة /187.
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه وصحابته رضوان الله عليهم اعتكفوا في المساجد، ولم يرد عن أحد منهم أنه اعتكف في غير المسجد 
وأما بالنسبة لزمانه فإذا كان في رمضان فآكد وقته العشر الأواخر منه، ويجوز في أي وقت في رمضان وغيره، فهو لا يختص بزمن معين، بل مستحب في جميع الأوقات، ويجب إذا ألزم نفسه بنذر، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: (أوف بنذرك) البخاري 4/809. 
وأما بالنسبة لبداية وقته فقبل غروب الشمس لمن أراد أن يعتكف يوما وليلة أو أكثر وقال بعض العلماء يدخل معتكفه فجرا. 
آداب الاعتكاف  
للاعتكاف آداب يستحب للمعتكف أن يأخذ بها حتى يكون اعتكافه مقبولا وكلما حافظ عليها المعتكف كان له الأجر الجزيل من رب العالمين وكلما أخل بهذه الآداب نقص أجره. ومن آداب الاعتكاف ما ذكره ابن قدامة في المغنى: 
يستحب للمعتكف التشاغل بالصلاة وتلاوة القرآن وبذكر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة ويجتنب مالا يعينه من الأقوال والفعال ولا يُكثر الكلام لأن من كثر كلامه كثر سقطه وفي الحديث (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى ولا يبطل الاعتكاف بشي من ذلك ولا بأس بالكلام لحاجة ومحادثة غيره روى الشيخان أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد، في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي)، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! وكبُرَ عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم) وفي لفظ: (يجري من الإنسان مجرى الدم)، (وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا) وفي لفظ: (شرا). 
ملحوظــــــة: 
1- بعض الناس يعدون الاعتكاف فرصة خلوة ببعض أصحابهم وأحبابهم، وتجاذب أطراف الحديث معهم، وليس هذا بجيد. 
حقا أنه لا حرج في أن يعتكف جماعة معا في مسجد، فقد اعتكف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم معه، حتى لقد كانت إحداهن معتكفة معه، وهي مستحاضة ترى الدم وهي في المسجد رواه البخاري 303، 304 ، فلا حرج أن يعتكف الشخص مع صاحبه أو قريبه، ولكن الحرج في أن يكون الاعتكاف فرصة لسمر والسهر، والقيل و القال، وما شابه ذلك. 
ولذلك قال الإمام ابن القيم بعدما أشار إلى ما يفعله بعض الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عِشْرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الحديث بينهم، قال: (فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون) زاد المعاد. 
2- بعض الناس يترك عمله، ووظيفته وواجبه المكلف به، كي يعتكف، وهذا تصرف غير سليم ؛ إذ ليس من العدل أن يترك المرء واجبا ليؤدي سنة ؛ فيجب على من ترك عمله المكلف به واعتكف، أن يقطع الاعتكاف، ويعود إلى عمله لكي يكون كسبه حلالا، وأما إذا استطاع أن يجعل الاعتكاف في إجازة من عمله أو رخصة من صاحب العمل فهذا خير عظيم. 
محظورات الاعتكاف 
1 - الخروج من المسجد: يبطل الاعتكاف إذا خرج المعتكف من المسجد لغير حاجة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، وهي حاجته إلى الطعام، إن لم يكن بالإمكان أن يؤتى إليه بالطعام، كما كان يؤتى بطعام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد إذ يقول سالم: (فأما طعامه وشرابه فكان يؤتى به إليه في معتكفه). 
وكذلك خروجه للتطهر من الحدث الأصغر، والوضوء لحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا) فتح الباري. 
2 - مباشرة النساء: ومنها الجماع، فهذا الأمر يبطل الاعتكاف، لورود النهي عنه صريحا في قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} سورة البقرة /187. 
3 - الحيض والنفاس: فإذا حاضت المرأة المعتكفة أو نفست وجب عليها الخروج من المسجد، وذلك للمحافظة على طهارة المسجد وكذلك الجنب حتى يغتسل. 
4 - قضاء العدة: وذلك إذا توفي زوج المعتكفة وهي في المسجد وجب عليها الخروج لقضاء العدة في منزلها. 
5 - الردة عن الإسلام: حيث إن من شروط الاعتكاف الإسلام، فيبطل اعتكاف المرتد. 
الجوانب التربوية للاعتكاف 
1 - تطبيق مفهوم العبادة بصورتها الكلية: يؤصل الاعتكاف في نفس المعتكف مفهوم العبودية الحقة لله عز وجل، ويدربه على هذا الأمر العظيم الذي من أجله خلق الإنسان، إذ يقول الحق تبارك وتعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الذاريات 56. حيث إن المعتكف قد وهب نفسه كلها ووقته كله متعبدا لله عز وجل. 
ويكون شغله الشاغل هو مرضاة الله عز وجل، فهو يشغل بدنه وحواسه ووقته - من أجل هذا الأمر - بالصلاة من فرض ونفل وبالدعاء، وبالذكر، وبقراءة القرآن الكريم، وغير ذلك من أنواع الطاعات. 
وبهذه الدرْبة في مثل أيام العشر الخيرة من شهر رمضان المبارك يتربى المعتكف على تحقيق مفهوم العبودية لله عز وجل في حياته العامة والخاصة، ويضع موضع التنفيذ قول الحق تبارك وتعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} الأنعام /163، قال القرطبي (محياي) أي: ما أعمله في حياتي، (ومماتي) أي: ما أوصي به بعد وفاتي، (لله رب العالمين) أي: أفرده بالتقرب بها إليه. 
2 - تحري ليلة القدر: وهو المقصد الرئيسي من اعتكافه صلى الله عليه وسلم إذ بدأ اعتكافه أول مرة الشهر كله وكذلك اعتكف العشر الأواسط تحريا لهذه الليلة المباركة، فلما علم أنها تكون في العشرة الأخيرة من شهر رمضان اقتصر اعتكافه على هذه العشر المباركة. 
3 - تعود المكث في المسجد: فالمعتكف قد الزم نفسه البقاء في المسجد مدة معينة. وقد لا تقبل النفس الإنسانية مثل هذا القيد في بداية أمر الاعتكاف، ولكن عدم القبول هذا سرعان ما يتبدد عادة بما تلقاه النفس المسلمة من راحة وطمأنينة في بقائها في بيت الله. 
ومعرفة المعتكف بأهمية بقائه في المسجد أثناء اعتكافه تتجلى في الأمور التالية: 
1 - أن الرجل الذي يمكث في المسجد قد احب المسجد من قلبه، وعرف قدر بيوت الله عز وجل، وهذا الحب له قيمة عند الله عز وجل ؛ إذ يجعله من الفئات التي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. 
2 - أن الذي يمكث في المسجد ينتظر الصلاة له أجر صلاة، وأن الملائكة تستغفر له، ففي الحديث الذي أورده أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في مصلاه ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة " البخاري 2/360. 
3 - البعد عن الترف المادي والزهد فيه: في الاعتكاف يتخفف المعتكف من الكثير من هذه الأمور، ويصبح كأنه إنسان غريب في هذه الدنيا، وطوبى للغرباء، فهو من أجل مرضاة الله عز وجل ارتضى أن يقبع في ناحية من المسجد ليس لديه في الغالب إلا وسادة يضع عليها رأسه وغطاء يتغطى به، قد ترك فراشه الوثير وعادته الخاصة من أجل ذلك الرضا. 
أما طعامه فهو مختلف في وضعه، إن لم يكن في نوعه، إن كان طعامه يأتيه من منزله، فهو عادة لا يأتيه بالكثرة ولا يتناوله بالوضع الذي كان يتناوله في منزله على طاولة وكرسي مع أهله وولده، بل يأكل كما يأكل الغريب، ويأكل كما يأكل العبد الفقير إلى ربه، وإن خرج إلى السوق من أجل الطعام فهو يعمل جاهدا على التعامل مع ما هو متوفر ولا يشترط نوعا معينا، لأنه مطلوب منه العودة إلى معتكفه، وعدم الإطالة في مثل هذه الأمور، وبهذا يعرف أن الحياة يمكن إدارتها بالقليل الذي يرضى عنه الله، وكذلك يمكن إدارتها بالكثير الذي لا يُرضي الله عز وجل، والفرق بينهما كبير. 
4 - الإقلاع عن كثير من العادات الضارة: في ظل غياب مفهوم التربية الإسلامية في كثير من المجتمعات الإسلامية، وفي كثير من بيوت المجتمعات الإسلامية. نشأت وتفشت لدى أفراد هذه المجتمعات كثير من العادات التي تتعارض مع تعاليم الدين الحنيف، وعمت هذه العادات المنكرة حتى أصبحت نوعا من المعروف الذي لا يرى فيه ضرر على الدين والنفس، ومن تلك العادات: التدخين، وسماع الموسيقى، ومشاهدة ما يبث في القنوات الفضائية من مشاهد وأحاديث تضاد عقيدة المسلم وتُنافي حياءه وعفته، وغير ذلك من عادات لها ضررها على الدين والنفس. 
وتأتي فترة الاعتكاف لتكشف للفرد المسلم زيف تلك العادات، وزيف ذلك الاعتقاد الذي سكن في نفوس كثير من المسلمين بعدم القدرة على التخلص من مثل تلك العادات، لأنها قد استحكمت في النفوس. 
ويتعرف الإنسان المسلم في فترة الاعتكاف، وقد خلا إلى خالقه، على مفهوم العبادة بصورتها الشاملة، وأنه يجب أن يكون متعبدا لله عز وجل على مدار الساعة في حياته العامة والخاصة. 
فهو عندما يتخذ مرضاة الله عز وجل ومحبته ميزانا يزن به كل عمل يقوم به، يجد أن تلك العادات التي أشرنا إليها آنفا وكثير غيرها لا تتفق مع هذه المحبة لله عز وجل بل تعمل في اتجاه معاكس لها، ويجد بذلك أن مثل تلك العادات تخرجه عن دائرة العبودية الصادقة لله، وإذا كان الأمر كذلك فيجب عليه أن يتخلص منها في أسرع وقت ممكن. 
فالاعتكاف فرصة سنوية يستطيع فيها المعتكف أن يتخلص من كل البلايا عن طريق التوبة والالتجاء إلى الله عز وجل أولا، وعن طريق فطام النفس عن تلك المعاصي في فترة الاعتكاف، وعدم تحقيق رغبة النفس منها، وتعويدها على ذلك. 
5 - تعلم الصبر المستمر من قِبَل المعتكف: وفي هذا تربية للإرادة، وكبْح لجماح النفس التي عادة ما ترغب في التفلت من هذه الطاعة إلى أمور أخرى تهواها.
وهناك الصبر على ما نقص مما ألِفته النفس من أنواع الطعام المختلفة التي كان يطعمها في منزله، فتلك الأنواع لا تتوفر في المسجد، فيصبر على هذا القليل من أجل مرضاة عز وجل. 
6 - وهناك الصبر على نوع الفراش الذي ينام عليه، فلن يوضع له سرير في المسجد، أو فراش وثير كالذي ينام عليه في منزله، فهو ينام على فراش متواضع جدا إن لم يكن فرش المسجد. 
7 - وهناك الصبر على ما يجد في المسجد من مزاحمة الآخرين له، ومن عدم توفر الهدوء الذي كان يألفه في منزله إذا أراد النوم. 
8 - وهناك الصبر عن شهوة الزوجة إذ يحرم عليه مباشرتها عند دخوله إلى منزله للحاجة حتى التقبيل والعناق، وهي حلاله، وفي هذا الأمر تتجلى قيمة الصبر وقيمة القوة في الإرادة وضبط النفس، ومن خلال هذه المواقف وغيرها نجد أنه يمكن تربية الإنسان على القدرة على تأجيل كثير من الأمور والرغبات العاجلة من أجل أمور أهم منها، فهو يؤجل كل هذه الحاجات النفسية والمادية العاجلة من أجل الفوز برضى الله تبارك وتعالى. 
9 - الاطمئنان النفسي. 
10 - قراءة القرآن وختمه. 
11 - التوبة النصوح. 
12 - قيام الليل والتعود عليه. 
13 - عمارة الوقت. 
14 - تربية النفس. 
15 - صلاح القلب وجمعه على الله عز وجل.
إقرأ البقية